الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
453
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
ولكي يبين أكثر ما هو النور يقول تعالى : إلى صراط العزيز الحميد ( 1 ) فعزته دالة على قدرته ، لأنه لا يستطيع أحد أن يغلبه ، والحميد دالة على نعمه ومواهبه غير المتناهية ، لأن الحمد والثناء دائما تكون في مقابل النعم والمواهب . الآية الثانية ولكي تعرف الله بصفاته ، تبين درسا من دروس التوحيد حيث تقول : الله الذي له ما في السماوات والأرض ( 2 ) فله كل شئ ، لأنه خالق جميع الموجودات ، ولهذا السبب هو القادر والعزيز وواهب النعم والحميد . ثم يتطرق في نهاية الآية إلى مسألة المعاد ( بعد أن ذكر المبدأ ) فتقول الآية : وويل للكافرين من عذاب شديد . ثم يعرف القرآن الكريم الكفار في الآية الأخرى ، ويذكر لهم ثلاث صفات كيما نستطيع أن نعرفهم من أول وهلة ، يقول تعالى أولا : الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ( 3 ) فهم يضحون بالإيمان والحق والعدالة والشرف التي هي من خصائص محبي الآخرة ، من أجل منافعهم الشخصية وشهواتهم . ثم يبين تعالى أن هؤلاء غير قانعين بهذا المقدار من الضلال ، بل يسعون في أن يضلوا الآخرين ويصدون عن سبيل الله فهم في الواقع يوجدون الموانع المختلفة في طريق الفطرة الإلهية فيزينون الهوى ، ويدعون الناس إلى الذنوب ، ويخوفونهم من الصدق والإخلاص . ولا يقتصر عملهم على ذلك فحسب ، بل ويبغونها عوجا ثم يحاولون أن يصبغوا الآخرين بصبغتهم ، ويسعون في أن يحرفوا السبيل للوصول إلى هدفهم من خلال نشر الخرافات وابتداع السنن الخبيثة أولئك في ضلال بعيد .
--> 1 - " إلى صراط الله " في الواقع بدل من " إلى النور " فالمقصود من الهداية إلى النور هو الهداية إلى صراط العزيز الحميد ، و " كتاب أنزلناه " خبر لمبتدأ محذوف تقديره : هذا كتاب أنزلناه . 2 - ( الله ) : بالكسر لأنه بدل من ( العزيز الحميد ) . 3 - يقول الراغب في مفرداته : استحب الكفر على الإيمان ، والاستحباب هو سعي الإنسان لأن يحب شيئا ، وإذا ما تعدى ب ( على ) فسوف يصرف عنه المعنى المتقدم كما في أما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى .